محمد كرد علي
23
خطط الشام
قصدتنا ونزلت علينا » فلما عاد الرسول بهذا الجواب أكثر التعجب منه والإنكار له ، وعزم على الزحف إلى دمشق . وما ندري إذا كان ذلك الجواب صدر قبل وفاة معين الدين أتسز والي دمشق وصاحب أمرها نيابة عن أولاد طغتكين ، وكان أتسز صالحا عادلا محسنا كافا عن الظلم متجنبا للمآثم ، محبا للعلماء والفقراء ، بذل مجهوده في حفظ بيت سيده طغتكين فلما مات أخذ ملك مجير الدين في الانحلال . انحلال دولة مجير الدين وتوفيق نور الدين : آذنت شمس دولة أبناء طغتكين بالمغيب ، لهلاك الرجال الغيورين عليها ، ولأن أربابها أخذوا يتقوون بالفرنج على أبناء نحلتهم حبا بأن يبقوا في ملكهم ورفاهيتهم . ولكن دولة نور الدين التي أصبح لها المقام الأسنى في الشام بعد أن حالف التوفيق أعلامها أكثر من مرة في سنين قليلة أخذت النفوس تتطلع إليها ، وتعلق الآمال الطيبة عليها . وقد كانت دمشق التي أجابت نور الدين بهذا الجواب الفظ نشبت فيها هذه السنة فتنة بين الأجناد والمقدمين والرعاع والفلاحين وذلك لاستيحاش الرئيس في دمشق من مجير الدين صاحبها ، ولم تزل الفتنة ثائرة إلى أن أبعد من التمس إبعاده من خواص مجير الدين وسكنت الفتنة . ولكن هذه الفوضى في دمشق يصعب دوامها ، وليست المسألة مسألة تقريب رجل أو رجال من أركان الدولة أو اصطلام ثائر وخارج على الجماعة ، وقد سرت روح الغضب حتى إلى أقرب الناس من الآل الملوكي ، وقوة نور الدين تشتد وشائجها ، ودعوته تزداد انتشارا اليوم بعد اليوم ، فلم يسع أولي الأمر في دمشق سنة ( 540 ) إلا تقرير الصلح بينهم وبينه ، فأقيمت الخطبة لنور الدين على منبر دمشق بعد الخليفة والسلطان ، وضربت السكة باسمه وخلع نور الدين على مجير الدين خلعة السلطنة والطرق والسوارين وخلع على الرئيس ابن الصوفي خلعة الوزارة فبذلا له الطاعة وأعادهما إلى عملهما وطيب قلوبهما « ورحل إلى حلب والقلوب معه لما غمر العالم من خيره » . عمل مجير الدين وابن الصوفي هذا العمل مكرهين أمام قوة قاهرة ، عملاه وهما يسران حسرا ؟ ؟ ؟ في ارتغاء ، على أمل أن ينتقما من نور الدين باعتصامهما بالصليبيين حتى اضطر في السنة التالية ( 546 ) أن يسوق عسكره إلى دمشق فنزل أوائل جنده على أرض عذراء ، وقصد فريق وافر منهم ناحية السهم